يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
332
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
ما علمني أبي شيئا هو خير لي من هذا . فمكثت بذلك ما شاء اللّه ، وبقيت بعد والدي حتى بعث صلى اللّه عليه وسلم ، وبيني وبينه بلاد بعيدة منقطعة لا أقدر على إتيانه ، وبلغني أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد خرج بمكة فهو يظهر مرة ويستخفي أخرى . فقلت : هو هذا ، وتخوّفت ما كان والدي حذرني من الكذابين ، وجعلت أحب أن أتبين وأتثبت . قال : فلم أزل كذلك حتى بلغني أنه قد أتى المدينة ، فقلت في نفسي : إني لأرجو أن يكون إياه ، فكانت تبلغني وقائعه مرة له ومرة عليه ، وجعلت ألتمس السبيل إليه ، فلم يقدر لي حتى بلغني أنه قد توفي صلوات اللّه عليه وسلامه ورحمته وبركاته ، فقلت في نفسي : لعله لم يكن بالذي كنت أظن ، ثم بلغني أن خليفته قد قام مقامه ، ثم لم ألبث إلا قليلا حتى جاءتنا جنوده ، فقلت في نفسي : لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظر ، وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم ، وإلام تكون عاقبتهم قال : فلم أزل أدفع ذلك وأوخره لأتبين وأتثبت حتى قدم علينا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم وهديهم ووفاءهم بالعهد ، وما صنع اللّه لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر . فحدثت نفسي بالدخول في الإسلام . قال : فو اللّه إني لذات ليلة على سطح لي ، وإذا رجل من المسلمين يصلي ، يتلو كتاب اللّه ، حتى تلا هذه الآية وهو رافع صوته : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ النساء : 47 ] قال : فلما سمعت هذه الآية خشيت واللّه أني لا أصبح حتى يحوّل اللّه وجهي إلى قفاي ، فما كان شيء أحب إليّ من الصباح ، فغدوت على عمر بن الخطاب فأسلمت حين أصبحت . رضي اللّه عنه . وتقدّم اللمم : مس الجنون . يقال : رجل به لمم ولمة . وفي الترمذي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان : فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك : فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه فليحمد اللّه ، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ باللّه من الشيطان . قال الحسن رضي اللّه عنه : إنما هما : همان يجولان في القلب ، هم من اللّه تعالى ، وهم من العدو . فرحم اللّه عبدا وقف عند همه ، فما كان للّه أمضاه ، وما كان من عدوّه جاهده . وقال أبو حامد رضي اللّه عنه : ولتجاذب القلب بين هذين المتسلطين ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن . واللّه تعالى يتعالى عن أن يكون له أصبع مركب من لحم ودم وعظم منقسم بالأنامل ، ولكن روح الإصبع